من مصادر الثقافة الإسلامية القرآن الكريم

شارك في التأليف الأستاذ الدكتور فتحي محمد الزغبي

تعريف القرآن: أسماؤه، بعض خصائصه، نزوله منجماً:

كان القرآن الكريم ولا يزال محوراً للثقافة الإسلامية، والحركات الفكرية وسائر النشاطات العقلية. حرضت آياته على النظر فيه والتأمل فقال تعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص:29].

 

ولئن كانت الأمم توجد ثقافتها، وتحدد معالم شخصيتها، فإن القرآن الكريم أوجد أمة الإسلام، وأنار لها معالم حضارتها بين الأمم، وفيما يلي إلقاء الضوء على جوانب خاصة بالقرآن:

الأول: تعريف القرآن:

(القرآن) لغة مصدر (قرأ) على وزن فُعلان مثل غُفران وشُكران قال تعالى: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ ﴾ [القيامة: 16-18].

فالله سبحانه تكفل لرسوله صلى الله عليه وسلم بجمع القرآن في -صدره وقراءته- أي تيسير النطق به وتلاوته على لسانه- فإذا أنطق الله به لسانه وتلاه فليتبع تلاوته. فكلمات (وقرآنه، قرأناه، قرآنه) كلها بمعنى القراءة والتلاوة[1].

أما تعريف القرآن اصطلاحاً -في اصطلاح علماء الشريعة- فهو: كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم المتعبد بتلاوته[2].

 

الثاني: أسماء القرآن الكريم:

للقرآن الكريم أسماء كثيرة وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، وكثير منها أوصاف للقرآن عدها بعضهم أسماء القرآن. ومن أشهر الأسماء:

1) القرآن: كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ﴾ [الإسراء:9].

 

2) الكتاب: كما في قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنبياء:10].

 

3)  الفرقان: كما في قوله تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ [الفرقان:1].

 

4) الذكر: كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر:9].

 

الثالث: بعض خصائص القرآن الكريم:

نقله متواتراً: فقد تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظ القرآن كما أنزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم من غير نقص أو زيادة، ومن غير تحريف أو تبديل، فهيأ لهذا الحفظ أسبابه بتيسير حفظه عن ظهر قلب ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ [القمر:17]، فهو ينقل من جيل إلى جيل، من الصدور إلى الصدور متواتراً -أي: ينقله جمع عن جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب- وأما كتابته في المصاحف فهو من باب زيادة التوثيق، أما العمدة في نقله المتواتر فهو المشافهة.

جمعه بين دفتي المصحف: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما تتنزل عليه الآيات، يأمر بعض كتاب الوحي بكتابته، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كل القرآن مكتوباً، إلا أنه لم يكن مجموعاً في مكان واحد، فلما كانت حروب الردة، وقتل كثير من حفظة القرآن خشي المسلمون من ضياع شيء من القرآن، فقام أبو بكر بجمع القرآن بإشارة من عمر بن الخطاب -رضي الله عنهم جميعاً- فجمعوه في مصحف وفي عهد عثمان -رضي الله عنه- استنسخ من مصحف أبي بكر عدة نسخ لحاجة الأمصار إليها. فكانت هذه النسخ مرجع المسلمين في أقطارهم[3].

إعجازه: كل الأنبياء يؤيدون بمعجزات تؤيد صدقهم، وأوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم معجزات كثيرة، إلا أن معجزته الخالدة الباقية إلى يوم القيامة المتجددة في إقامة الحجة على الأجيال هي القرآن العظيم.

اشتماله على الرسالة: إن القرآن الكريم اشتمل على الإسلام كله، فالمعجزة هي الرسالة، والرسالة هي المعجزة، ولم يتوفر لأي معجزة للأنبياء مثل هذه المزية.

 

الرابع: نزول القرآن منجماً:

بدأ نزول القرآن الكريم بالآيات الخمس الأولى من سورة العلق ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 1-5]، واستمر نزوله حسب الوقائع والأحداث، وحسب متطلبات تصحيح العقائد ثلاثة عشر عاماً في مكة، ويسمى القرآن المكي -وهو الذي نزل قبل الهجرة-[4]، كما استمر نزوله حسب متطلبات التشريع، وبناء المجتمع في المدينة عشرة أعوام ويسمى القرآن المدني[5] -وهو الذي نزل بعد الهجرة- وختم نزوله بقوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة:281].

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضعوها على رأس المئتين والثمانين من سورة البقرة، وتوفي بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيام معدودة عن عمر بلغ الثالثة والستين[6].

وقد اعترض المشركون على نزول القرآن مفرقاً منجماً، فأورد الله جل جلاله اعتراضهم ورد عليهم ببيان الحكمة من نزول القرآن منجماً، كما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴾ [الفرقان: 32-33].

 

فمن هذه الحكم:

1- تثبيت فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا التثبيت صور وطرائق منها:

أ- مواساة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسليته عما يلقاه من المشركين من عناد وقسوة وتطاول عليه وإيذاء له، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألم لهذا العناد، وربما خطر له أن التقصير منه، فكانت الآيات تنزل المرة تلو المرة لتخفف عنه، وتبين له أنه قام بالتبليغ والبيان، ولكن هداية التوفيق بيد الله تعالى وليس بيد غيره. فنقرأ مثل هذه التسلية في قوله تعالى: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ﴾ [الكهف:6]، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ … ﴾ [القصص:56].

 

ب‌- بيان سنة الله تعالى في الأنبياء والمرسلين من قبله، وأن الأقوام ديدنهم تكذيب أنبيائهم، وما على الأنبياء إلا الصبر على ما هم عليه من الدعوة، وأن العاقبة لهم، كما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الأنعام :34]، وقوله تعالى: ﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [هود: 120]… فالتذكير بذلك المرة تلو الأخرى من دواعي التثبيت والاستمرار.

 

ج‌- نزول القرآن الحين بعد الحين على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الطمأنينة إليه بأن ربه لم يتركه، وأنه مؤيده وناصره كما في قوله تعالى: ﴿ وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 1-5].

وقوله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ﴾ [الطور: 48-49].

وقوله تعالى: ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾ [النمل: 79].

 

2- تيسر حفظه وفهمه:

نزل القرآن الكريم والأمية فاشية في العرب ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ [الجمعة: 2]، ولم يكن عند القوم من أدوات الكتابة إلا القليل، فكانوا يعتمدون على ذاكرتهم في حفظ ما يريدون، فلو نزل القرآن جملة واحدة لما استطاعوا حفظه وتطبيقه.

فكان القرآن ينزل مفرقاً خمس آيات على الأغلب أو أقل أو أكثر فيسهل عليهم حفظه، عن أبي عبدالرحمن السلمي قال: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن، كعثمان بن عفان وعبدالله بن مسعود وغيرهم أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً[7]، وكان أبو سعيد الخدري رضي الله عنه يعلم أصحابه القرآن خمس آيات بالغداة وخمس وآيات بالعشي، ويخبر أن جبريل نزل بالقرآن خمس آيات خمس آيات[8].

 

3- التحدي به المرة تلو المرة لإبراز إعجازه:

عندما وقف المشركون في وجه الإسلام، وزعموا أن محمداً صلى الله عليه وسلم اختلق القرآن وجاء به من نفسه، تحداهم القرآن بأن يأتوا بمثل القرآن، فإن محمداً صلى الله عليه وسلم من البشر وهم أقدر على التأليف منه؛ لأنه أمي وهم قارئون كاتبون، فإن عجزوا فليوقنوا أن القرآن منزل من عند الله ودور محمد صلى الله عليه وسلم هو التبليغ والبيان، فلما أصروا على عنادهم جاء القرآن يتحداهم أن يأتوا بمثله ويستثير حفيظتهم في ذلك: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ﴾ [الإسراء: 88].

فلما عجزوا أرخى لهم العنان ونزل معهم إلى التحدي بأن يأتوا بعشر سور مثله، وما داموا يزعمون أن محمداً يفتريها ويختلقها، فليأتوا بها مفتريات من عند أنفسهم: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [هود: 13].

فلما لم يردوا جواباً وهم مقرون بعجزهم في قرارة أنفسهم، تنازل معهم إلى التحدي بسورة واحدة كل ذلك في المرحلة المكية، قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [يونس: 37-38].

ولقطع دابر المزاعم والتقوُّلات أن القرآن تحدى أناساً أميين في مكة فعجزوا ولو تحدى أهل الكتاب لأتوا بمثله، تكرر التحدي بسورة واحدة في المرحلة المدنية قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 23-24].

إن تكرار التحدي المرة تلو المرة وعدم قيامهم بالإتيان بمثله أبرز لإعجاز القرآن، وأبلغ في إقامة الحجة عليهم وأظهر لعجزهم. ولا يتحقق ذلك إلا إذا نزل القرآن منجماً مفرقاً[9].

4- التدرج في التربية والتشريع:

إن قوماً استشرى فيهم الجهل والفساد، وسيطر على عقولهم تقليد الآباء ومسايرة العادات والأعراف، ما كانوا لينتقلوا من هذه الحالة بين عشية وضحاها، لذا نزل القرآن مفرقاً؛ ليرتقي بهم خطوة خطوة وليخرجهم من مستنقع الجاهلية الآسن، إلى درجات الكمالات الإنسانية، فنزل أول ما نزل يدعوهم إلى توحيد الله ونبذ ما سواه من العقائد الفاسدة من الوثنيات والشرك، ويدعوهم إلى الإيمان باليوم الآخر ويفصل لهم ما ينتظرهم من النعيم المقيم في جنات الخلد إن آمنوا بالله وحده لا شريك له، ويوضح لهم المهالك وسوء المصير إن بقوا على شركهم وانحرافاتهم العقدية والسلوكية، ويدعوهم إلى تدبر أحوال الأمم السابقة التي كانت في أطراف جزيرتهم، ماذا أصابهم عندما كذبوا المرسلين؟!

ودعاهم القرآن الكريم إلى استعمال عقولهم للنظر والتدبر في ملكوت السماوات والأرض، كما دعاهم القرآن إلى التمسك بمحاسن الأخلاق وأصول العبادات، وجعل الحلال والحرام ميزاناً في مطاعمهم ومشاربهم وأموالهم وأعراضهم، ودمائهم. نقرأ ذلك في ثنايا القرآن الكريم النازل في المرحلة المكية في قوله تعالى: ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 151-153].

وبعد أن رسخت دعائم الإيمان في قلوبهم، واتقدت جذوته في نفوسهم، وصاروا على استعداد لبذل كل ما يملكون في سبيل إعلاء كلمة التوحيد، نزلت التشريعات التفصيلية في الصوم والزكاة والحج والجهاد والتعامل المالي المباح كالبيوع والإجارة، وبيان التعامل المالي المحرم كالربا والرشوة والميسر، ومعظم التشريعات التفصيلية نزلت في المرحلة المدنية، وبهذا التدرج نجح الإسلام نجاحاً باهراً في هذه النقلة الضخمة للقوم لإخراجهم من حضيض الجاهلية، ليكونوا خير أمة أخرجت للناس، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: (إنما نزل أول ما نزل منه سور من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنى أبداً)[10]، ونزول القرآن جملة واحدة لا يحقق هذا التدرج، كما أنه يوقعهم في الطفرة من لا شيء إلى كل شيء، وهو المنهج الخاطئ في التربية.

5- مراعاة الوقائع والحوادث والإجابة على الاستفسارات:

لقد رافق نزول القرآن الكريم مسيرة الدعوة الإسلامية، فكلما أثار القوم شبهة أو تهمة رد القرآن الكريم عليها وبين لهم الحق: ﴿ وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ﴾ [الفرقان: 33]، كما أن المسلمين كانوا يوجهون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الاستفسارات بغية معرفة حكم الله في قضاياهم، وما يعتريهم من مشكلات، فينزل القرآن للإجابة على هذه الاستفسارات وحل تلك المشكلات، وربما بدر من بعض المسلمين مواقف فيها قصور أو خطأ، فكان القرآن ينزل للتسديد وتصحيح المواقف، ولا مجال لمثل كل ذلك لو نزل القرآن جملة واحدة، ونزول القرآن بعد الحادثة أو بعد السؤال يترك أثراً فعالاً في نفوس السائلين أو أصحاب الحادثة، فكانت الحكمة تقتضي أن ينزل القرآن مفرقاً.

هذه جملة من الحكم في نزول القرآن منجماً[11]، وكل ذلك يصب في بوتقة واحدة أن هذا القرآن تنزيل من حكيم حميد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولو تدبر المنصف آياته لأدرك ذلك ﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ﴾ [النساء: 82].


[1] مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني 1/7.

[2] مناهل العرفان 1/13.

[3] المدخل لدراسة القرآن الكريم لمحمد أبو شهبة، ص280.

[4] انظر تهذيب وترتيب الإتقان في علوم القرآن، محمد عمر بازمول، ص101.

[5] المرجع السابق.

[6] البرهان في علوم القرآن للزركشي 1/209.

[7] المدخل لدراسة القرآن الكريم لمحمد أبو شهبة، ص (83).

[8] المرجع السابق.

[9] انظر كتاب مباحث في إعجاز القرآن لمصطفى مسلم، ص38.

[10] أخرجه البخاري رقم 4707 باب تأليف القرآن 4/1910.

[11] انظر هذه الحكم وغيرها في كتاب المدخل لدراسة القرآن الكريم لمحمد أبو شهبة، ص69، وما بعدها.