من العبادات القلبية : التوبة

أ- أهميتها: من رحمة الله بعباده أن يفتح لهم باب التوبة، وأن يقبل عثرة المذنب، ويفسح له الأمل ولا يوئسه من رحمته ولا يغلق الباب في وجهه.

 

فقد أمر عباده جميعاً ومنهم المؤمنون بالتوبة فقال: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31]، والتوبة بحد ذاتها عبادة وذكر ولو لم يكن من المؤمن ذنب ظاهر، فإن الإنابة إلى الله وإظهار الخضوع له وبيان التقصير عن أداء واجب الشكر على نعم المولى جل جلاله. هذه الإنابة إلى الله عبادة، وإظهار هذا الخضوع له عبادة، لذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس، توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم إليه مئة مرة»[1].

 

فإذا كانت مطلوبة من الذي لم يقترف ذنباً ولم تقع منه معصية، فكيف بمن يقع بالذنوب والمعاصي ليل نهار؟ لا شك أن التوبة في حقه أوجب.

 

لأن المؤمن يدرك أن الذنوب والمعاصي مهلكة له، مبعدة له عن الله عز وجل ورحمته، موجبة لمقت الله له، فيتوب منها لإزالة هذه الحجب والحواجز بينه وبين رحمة ربه.

 

وإن المؤمن تأتيه فترات غفلة عن ذكر الله سبحانه وتعالى، فعندما يتذكر عليه أن يتوب من تلك الغفلات ويستغفر ربه منها، ولهذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نكثر من الاستغفار فقال: «إنه يغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة»[2].

 

وإذا استكملت التوبة شروطها، فليكن المرء على يقين من قبولها، فإن الله سبحانه وتعالى وعد بذلك، ولا يخلف الله وعده، فقال: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ﴾ [الشورى: 25]، بل إن الله سبحانه وتعالى يفرح بتوبة عبده فرحاً شديداً، والفرح درجة وراء القبول، فهو دليل على القبول وزيادة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله أفرح بتوبة العبد المؤمن من رجل نزل في أرض دوية مهلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها، حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش، قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ فإذا راحلته عنده، عليها زاده وشرابه، فالله تعالى أشد فرحاً بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته»[3]. وفي رواية فقال: «أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح».

 

ب- شروط التوبة:

على المذنب أن يبادر بالتوبة والندم، والعمل على تكفير السيئة بحسنة تدفعها فـ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴾ [هود: 114].

 

وإن كان الذنب بين العبد وربه، يشترط للتوبة ثلاثة شروط:

1- الإقلاع عن الذنب: بترك كل محظور هو ملابس له، فإن البقاء على مقارفة الذنب، تناقض وكذب. كيف يقول إنه يرجع عن الذنب وهو مستمر عليه.

 

2- الندم على ما فرط فيه: من المآثم التي استجاب فيها لداعي الهوى وأطاع الشيطان وعصى ربه الرحمن، ومن تمام الندم وصدق صاحبه أن يشعر بألم الندم وطول الحسرة والحزن، وأن يسكب الدمع كلما تذكر ذنوبه، وأن تتمكن مرارة تلك الذنوب في قلبه بدلاً من حلاوتها.

 

3- العزم على عدم العودة إلى الذنوب عامة وإلى ما اقترفه خاصة: بأن يعقد عقداً مؤكداً مع الله سبحانه وتعالى، ويعاهده عهداً وثيقاً أن لا يعود إلى تلك الذنوب ولا إلى أمثالها[4]، فإن الذي يزعم أنه يتوب إلى ربه وفي نيته أن يعود إلى الذنب قريباً أو بعيداً كالمستهزئ بربه المستهتر بعهده وميثاقه ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63]، وإذا كانت المعصية تتعلق بحق من حقوق العباد كاعتداء على شخص أو أكل ماله أو التعرض لعرضه، يزاد شرط رابع وهو الاستبراء والتخلص من حق الشخص بالمسامحة أو المقاصة أو التعويض، فإن فاته الشخص لسبب ما، فإن كان الحق مالياً فليتصدق بمقداره عنه، وإن كان غير ذلك فليستغفر لصاحبه ويدعو له.

 

وإذا توفرت هذه الشروط في التوبة سميت نصوحاً، ويرجى أن يكون صاحبها من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾ [الفرقان: 70].

 

ومن أهم ثمرات التوبة النصوح ثمرتان:

إحداهما: تكفير السيئات حتى يصير كمن لا ذنب له.

الثانية: نيل الدرجات[5].


[1] أخرجه مسلم في صحيحه، الحديث رقم 2702.

[2] أخرجه مسلم في صحيحه، الحديث رقم 2702، ومعنى يغان: يغشاه من السهو الذي لا يخلو منه البشر. كما في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، 3 /402، مادة (غين).

[3] متفق عليه، صحيح البخاري، الحديث رقم 6308، ومسلم الحديث رقم 2744.

[4] انظر المهذب من إحياء علوم الدين، 2 /264-265 باختصار.

[5] المرجع السابق، 2 /267.