من أسرار رمضان (شهر الصبر)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فإنَّ في آيات القرآن الكريم إشارات، وفي حديث رسول الله صلى عليه وسلم لَفتات، يجدر بنا أن نقف عندها ونتدبَّرها؛ من هذه الإشارات: قضية التقوى وعلاقتها بالصوم؛ كما ورَد في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183].

 

ونقول مسبقًا:

إن “لعلَّ” في حق العباد تُفيد رجاءَ حصول الشيء المطلوب، أما في حق الله تعالى فهو تحقق وقوع هذا الشيء؛ أي في فرضية الصوم تتحقق التقوى بالالتزام بأداء هذه الفريضة، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصوم يُلقي ضوءًا على هذا الجانب:

فقد روى الشيخان – البخاري ومسلم – بسندَيهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كلُّ عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سَبعمائة ضِعْف؛ يقول عز وجل: إلا الصيام؛ فإنه لي، وأنا أجزي به، ترَك شهوته وطعامه وشرابه مِن أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولَخُلُوفُ فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك).

 

لماذا كان للصوم هذه المزايا؟!

إنَّ في كل المخلوقات مراكز ثقل وقوة في الماديات وفي المعنويات، فلنَضرب أمثلة من الماديات، ثم ننتقل إلى المعنويات:

1 – يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا إن في الجسد مُضغة إذا صلَحت صلَح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي: القلب).

 

القلب ذاك الجسم، الكتلة، المضخَّة، له تشعُّباته إلى جميع أنحاء الجسم؛ فإنه يوزِّع الدم إلى كل خلية في الجسم، ويَحمل الأوكسجين والغذاء، ويُبعد عنه السموم والفضلات، فلو تعطلت هذه المضخَّة تعطَّلت الدورة الدموية، وأدى إلى وفاة الكائن الحي.

 

2 – في الاقتصاد: لو أردنا أن نُساعد دولة مِن الدول بمدِّ اقتصادها بميزانية، فإن ذهبْنا نضخ الأموال في خزينة مدينة من المدن الجانبية فلن ينهض اقتصاد الدولة، أما إذا قدَّمنا المساعدات لخزينة الدولة المركزية أو ما يُسمى بالمصرف المركزي، أو مؤسسة النقد المركزي للدولة، فإنها ستوزَّع على جميع أجهزة الدولة، ويستفيد منها القاصي والداني مِن رعايا الدولة.

 

3 – في الطب: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام، والسام: الموت).

 

واستغرب الأطباء من هذا الأمر، كيف تكون عشبة واحدة دواء لكل الأمراض؟! ولكن زال هذا الاستغراب عندما أجريت التجارب المخبرية على الحبة السوداء فوجدوها ترفع مناعة الجسم، فينعكس ذلك على مقاومة الجسم للأمراض، فكانت دواءً لأثرها على جهاز المناعة المركزيِّ.

 

4 – في مجال الأخلاق – وهو جانب معنوي – هناك أخلاق تَنعكِس آثارها على مُختلِف جوانب الحياة للفرد؛ مثل: خلُق (الصبر)، فإذا ترسخ هذا الخلق في الإنسان انعكس على صبره على التزام الطاعات وأدائها، وانعكس على التزامه بالأخلاق الفاضِلة فاتَّصف بها، وانعكَس على تجنُّب سفاسف الأمور والمعاصي فابتعَدَ عنها، وانعكس على تحمُّل المشاق يَحتسب ذلك في سبيل الله، وعلى تَحمُّل المصائب والأذى فلم يَتبرَّم منها.

 

لذا يقول صلى الله عليه وسلم عن شهر رمضان: إنه شهر الصبر؛ لأنه يقوِّي إرادة الإنسان فيصبر عن الطعام والشراب والشهوات، كل ذلك يصبُّ في الصفة المركزية في تنمية التقوى لدى الإنسان، إنَّ معنى التقوى المبسَّط هو أن تحيط نفسك بشيء يَقيك مما يُحيط بك من الأمور التي لا ترغب فيها، ولا يُحقق ذلك إلا باستحضار مراقبة الله سبحانه وتعالى في كل حركة وسكنة من التصرُّفات، وأقوى سبب وأبرز وسيلة تُحقِّق هذه المراقبة هو الصوم، إن المرء عندما يصوم: يكون خاليًا في مكانٍ لا يراه فيه أحد، ونفسه تواقة للطعام والشراب، وربما يصل به الجوع والعطش مبلغًا مؤثرًا، ومع ذلك يمتنع عن الإقدام على تناول شيء منها، إنَّ الإرادة تسند بمثل هذه السجايا، والصبر يَنمو فتتحقق التقوى التي يُشبِّهها سبحانه وتعالى باللباس الذي يَستُر جسم الإنسان ويَحميه من كل سوء، ويُضفي عليه الزينة والحسْن والبهاء؛ ﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 26]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183].

 

فهل أدركنا بعض أسرار فضائل رمضان شهر الصبر الذي يُحقِّق التقوى؟

وإذا كانت الإرادة تَقوى في هذا الشهر الكريم، والمراقبة – مراقبة الله سبحانه وتعالى – تنمو عند الإنسان في هذا الشهر، فهلاَّ وظَّفنا ذلك في ترسيخ أمور حسنة نَحرص عليها، واستأصلنا أمورًا سيئة نَجتنبها؟!

 

إنَّ للإنسان أعداءً كثُرًا، ومن أبرز أعداء الإنسان: عدوٌّ خارجي هو الشيطان، وعدوٌّ داخليٌّ، هي النفس الأمارة بالسوء.

 

لقد كفانا الله في هذا الشهر شرَّ العُدوان الخارجي؛ حيث تُصفَّد الشياطين في بداية شهر رمضان إلى نهايته، كما أخبرنا الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام.

 

والعدوُّ الداخليُّ قد ضُيِّق الخناق عليه بقطع طرُق الشهوات عليه؛ فقد ضعف أمر النفس بالجوع والعطش، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى قويت الإرادة ومُراقبة الله سبحانه وتعالى، فتستطيع التغلُّب بإذن الله تعالى على النفس الأمارة بالسوء.

 

ومما أَقترِحه لترسيخ أمور حسنة:

أ – الاستمرار على قراءة القرآن كما عوَّدْنا أنفسَنا في رمضان؛ بقراءة جزء واحد كل يوم على الأقل.

 

ب – الاستيقاظ قبل الفجر بساعة كما نفعل في رمضان؛ لقيام الليل، أو قراءة القرآن، أو ذكر الله سبحانه وتعالى، أو القراءة في كتاب علميٍّ، المُهم أن نكون مستيقظين في هذا الوقت – وقت السحَر – الذي هو جزء مِن الثلثِ الأخير مِن الليل لنتلقى نفحات السحَر.

 

جـ – أن نُحاول الاحتفاظ بشيء من النوافل التي نؤدِّيها في رمضان؛ صلاة الضحى، قيام الليل، وكل نافلة تؤدى بعد صلاة العشاء بعد الفريضة والسنَّة الراتبة تُعدُّ قيامَ ليل، فلو استمررنا مع ركعتين أو أربع ركعات قبل النوم أو قبل أذان الفجر!

 

كما أقترح أن نتخلَّص من بعض العادات السيئة التي قد يُمارسها بعضنا؛ فإنَّ الإنسان إذا ألزم نفسه فترةَ شهر بفعل شيء، أو اجتنَب شيئًا آخر لمدة شهر، أصبح جزءًا من حياته وسلوكه لا يخلص منه بعد ذلك، ومن هذه العادات:

أ – التدخين: مَن ابتُلي بهدة الآفة، فالبيئة، والامتناع لفترة طويلة، والإرادة المتنامية – كل ذلك يُساعد على التخلص من هذه العادة السيئة.

 

ب – متابعة المسلسلات، وقضاء فترات طويلة على الإنترنت وغيرها.