مفهوم النظام الأخلاقي في الإسلام

شارك في التأليف: الأستاذ الدكتور فتحي محمد الزغبي.

إذا نظرنا إلى النظام الأخلاقي في الإسلام سوف يتبين لنا أنه ليس جزءاً من نظام الإسلام العام فحسب، شأنه في ذلك شأن غيره من النظم الإسلامية، وإنما نجد أن الأخلاق تمثل جوهر الإسلام وروحه السارية في جميع جوانبه، فالنظام الإسلامي عموماً مبني على فلسفته الخلقية أساساً.

ففي جانب العقيدة: يرتبط حسن الخلق بالإيمان، ويتضح ذلك من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً”[1] حيث جعل حسن الخلق أكمل خصال الإيمان، وقوله أيضاً: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”[2] وحينما سئل: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، قال: “قل آمنت بالله ثم استقم”[3].

والاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم من غير تعريج عنه يمنة ويسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها، الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك، فصارت هذه الوصية جامعة لخصال الدين كلها[4].

وفي جانب العبادات: التي شرعت في الإسلام واعتبرت أركاناً في الإيمان به نجد أنها كما يقول الشيخ محمد الغزالي: تمارين مكررة لتعويد المرء أن يحيا بأخلاق صحيحة، وأن يظل مستمسكاً بهذه الأخلاق، مهما تغيرت أمامه الظروف[5].

لو نظرنا إلى الصلاة مثلاً نجد أن حقيقتها تتمثل في الإبعاد عن الرذائل، والتطهير من سوء القول وسوء العمل حيث بين الله الحكمة من إقامتها فقال سبحانه: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45]، وجاء في الحديث القدسي أن الله عز وجل يقول: (إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل على خلقي، ولم يبت مصراً على معصيتي، وقطع النهار في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة، ورحم المصاب)[6].

فلا تقبل الصلاة إلا ممن أثمرت فيه الصلاة تواضعاً ورحمة وخلقاً طيباً، أما ذلك الشخص الذي لم يستفد من صلاته خلقاً كريماً فلا يزداد من الله إلا بعداً لأن الصلاة لم تنهه عن الفحشاء والمنكر كما ذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم[7].

وكذلك الأمر في بقية العبادات: فالزكاة تطهير من الأخلاق الذميمة وتزكية بالأخلاق الحسنة وغرس لمشاعر الألفة والرحمة وتنمية لروح التضامن والتكفل بين المسلمين، والصيام تربية وتهذيب للنفس، ورقي للروح، ووقاية من الرذائل الخلقية بتحقيق ثمرته وهي التقوى، والحج تطهير وتنقية من الرفث والفسوق حتى يكون مبروراً لا جزاء له إلا الجنة.

وهكذا باختصار شديد يتبين لنا من خلال هذه النظرة المجملة للعبادات متانة الأواصر التي تربط الدين بالخلق فهي مدارج الكمال المنشود، وروافد التطهير الذي يصون الحياة، ويعلي شأنها فإذا لم يستفد المرء منها ما يزكي قلبه، وينقي لبه، ويهذب نفسه فقد خسر خسراناً مبيناً[8].

وكذلك الأمر في جانب المعاملات والتشريعات حيث نجد أن مقاصد الشريعة مقاصد أخلاقية حيث إنها تكمن في تحقيق الخير ودفع الشر وقد اختصرت قواعدها الأصولية في قاعدتين: جلب المصلحة ودفع المفسدة[9].

وهكذا نجد أن الإسلام قد ربط بين جوانب الإسلام برباط أخلاقي لتحقيق غاية أخلاقية ويدلنا على ذلك قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177]، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الإيمان فتلا هذه الآية، فالبر بهذا المعنى يدخل في جميع الطاعات الباطنة والظاهرة وقد يكون قول النبي صلى الله عليه وسلم: “البر حسن الخلق” شاملاً لهذه الخصال كلها، لأن حسن الخلق قد يراد به التخلق بأخلاق الشريعة، والتأدب بآداب الله التي أدب بها عباده في كتابه، كما قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، وقالت أم المؤمنين عائشة: “كان خلقه القرآن، يعني أنه يتأدب بآدابه، فيفعل أوامره، ويتجنب نواهيه، فصار العمل بالقرآن له خلقاً كالجبلة والطبيعة لا يفارقه، وهذا أحسن الأخلاق وأشرفها وأجملها، وقد قيل: إن الدين كله خلق”[10].

والخلاصة أن النظام الأخلاقي في الإسلام شامل لكل جوانب هذا الدين: عقيدة وعبادة وشريعة، فمن لم يتخلق بالأخلاق الحسنة لا يقبل الله منه الإيمان والدين حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له”[11].


[1] أخرجه الترمذي، رقم (1162) وقال: حسن صحيح 3/ 466، وأبو داود وصححه الألباني.

[2] متفق عليه، رواه البخاري (13)، باب من الإيمان 1/ 24، ومسلم (45)، 1/ 67,

[3] رواه مسلم في صحيحه، رقم (38) 1/ 65.

[4] راجع جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي، ص217-218.

[5] راجع خلق المسلم، ص7.

[6] الترغيب والترهيب (771) 1/ 204، وقال: رواه البزار من رواية عبدالله بن واقد وبقية رواته ثقات.

[7] راجع أخلاقنا للدكتور محمد ربيع جوهري، ص42.

[8] راجع تفصيل ذلك في المصدر السابق، ص42-48.

[9] راجع تفصيل ذلك في علم الأخلاق الإسلامية للدكتور مقداد يالجن، ص55-56.

[10] راجع جامع العلوم والحكم لابن رجب، ص27.

[11] صحيح ابن حبان (194)، ومجمع الزوائد عن أنس 1/ 56، وقال رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (12470).