فشل الغرب عسكريا وتخوفه من الإسلام

شارك في التأليف: الأستاذ الدكتور فتحي محمد الزغبي.

لا شك أن من أهم الدوافع التي حملت الغرب على اللجوء للغزو الفكري هو ما باء به الصليبيون من فشل وإخفاق في حملاتهم الصليبية، حيث انتهت الحروب التي خاضوها في القرنين الخامس والسادس الهجريين بالهزيمة الساحقة، وحينما أسر لويس التاسع “ملك فرنسا” في المنصورة أخذ يتفكر فيما حل به وبقومه، وبعد أن فك أسره عاد يقول لقومه إذا أردتم أن تهزموا المسلمين فلا تقاتلوهم بالسلاح وحده، فقد هزمتم أمامهم في معركة السلاح، ولكن حاربوهم في عقيدتهم، فهي مكمن القوة فيهم.

ووعى قومه نصيحته، فلما عادوا لغزو العالم الإسلامي مرة أخرى لم يكتفوا بالسلاح وحده، ولكنهم استصحبوا معهم تلك الوسيلة الخبيثة التي نطلق عليها اسم “الغزو الفكري[1].

يذكر المؤرخ النصراني “جوانفيل” الذي رافق لويس التاسع: أن خلوة لويس في معتقله بالمنصورة أتاحت له فرصة هادئة؛ ليفكر بعمق في السياسة التي كان أجدر بالغرب أن يتبعوها إزاء المسلمين، وقد انتهى تفكيره إلى أن النعرة الدينية في الغرب لم تعد كافية لإثارة الحروب ضد الإسلام والتغلب على المسلمين، وأنه لم يعد في وسع الكنيسة وفرنسا وحدها مواجهة الإسلام، وأن هذا العبء لا بد أن تقوم به أوروبا كلها وتضيق الخناق عليه، وقام بوضع خيوط المؤامرة الجديدة والتي تقوم على الأسس التالية:

1- تحويل الحملات الصليبية العسكرية إلى حملات صليبية سلمية تستهدف ذات الغرض.

2- تجنيد المبشرين الغربيين في معركة سلمية لمحاربة تعاليم الإسلام ووقف انتشاره وضرورة دراسة أحوال المسلمين عن طريق المستشرقين.

3- العمل على استخدام مسيحيي الشرق لتنفيذ سياسة الغرب.

4- العمل على إنشاء قاعدة للغرب في قلب الشرق الإسلامي يتخذها الغرب نقطة ارتكاز لقواته الحربية، ولدعوته السياسية والدينية، وقد اقترح لويس لهذه القاعدة الأماكن الساحلية في لبنان وفلسطين.

وقد صار الأوروبيون بالفعل في طريق تنفيذ وصية “لويس” حيث أعدوا جيوشاً من المستشرقين والمنصرين الذين قاموا بحركة تشويه للإسلام بهدف تشكيك المسلمين فيه، انطلاقاً من شعورهم تجاهه بالمرارة والكره العميق.

كما قاموا بإنشاء قاعدة نصرانية لهم في لبنان، ويهودية في فلسطين، بالإضافة إلى ما قاموا به من تمزيق وحدة العالم الإسلامي عن طريق إشاعة النعرات العصبية في العالم الإسلامي.

يذكر المستشرق “هانوتو”- وهو مستشار سياسي لوزارة المستعمرات الفرنسية في أواخر القرن التاسع عشر – أن أهداف الحروب الصليبية ترتكز قديماً في استرداد بيت المقدس من المسلمين، وينبغي أن ترتكز حديثاً في نقل المسلمين إلى الحضارة الأوروبية، ويرى أن أفضل طريق لتثبيت ولاية المستعمر الأوروبي على البلاد الإسلامية هو تشويه الدين الإسلامي، وتمجيد القيم الغربية والنظام السياسي والسلوك الفردي للشعوب الأوروبية[2]. ومن أجل ذلك أخذ المستعمرون يوهمون المسلمين ويحاولون إقناعهم بأن الإسلام هو سبب تخلفهم وأن عليهم التخلص منه والابتعاد عنه إذا أرادوا اللحاق بركب التقدم والمدنية، فقد زعم “كرومر” مثلاً أن الإسلامي مناقض للحضارة ولا يصلح لغير البيئة البدوية التي نشأ فيها، وأن المسلم لا يرجى منه أن يساير الحضارة الحديثة إلا إذا ترك دينه، وخرج بذلك من ربقة التعصب والجمود.

وهو بهذا الافتراء على الإسلام أراد أن يلقي على الدين الإسلامي كل اللوم في مقاومة الاحتلال، وكأنه يعتذر عن إخفاقه في ترويض الحركة المناهضة للاستعمار.

ولا شيء غير التعصب الأعمى يسول لكرومر أن يرى هذا الرأي ويفتري ذلك الافتراء، فكان من اليسير عليه أن يعلم أن المسلمين لا يضيقون ذرعاً بالحضارة الحديثة وهم في القرن العشرين، لولا أنه مصاب بعسرين يصدانه عن ذلك النظر اليسير وهما – كما يقول العقاد – عسر التعصب، وعسر الاستعمار[3].

والحق أن المستعمرين كانوا يدركون قيمة الإسلام، ويعلمون أنه قادر على صنع الحضارة والتقدم مثلما صنع من قبل، وكان للمسلمين دور كبير في تأسيس الحضارة الغربية، لكنهم كانوا موقنين بأن الإسلام يقف حجر عثرة في طريق خططهم الاستعمارية حيث يذكر “براون” أن الخطر الحقيقي علينا كامن في نظام الإسلامي وفي قدرته على التوسع والإخضاع، وفي حيويته، إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوروبي[4].

الخوف من الإسلام:

وكلام “براون” هذا يعكس مدى ما يشعر به الغربيون من خوف تجاه الإسلام ويصور مدى ما قاموا به من دراسات للإسلام واهتمامات بحضارته حتى يفهموا مصادر قوته، ويحددوا أسباب تماسكه ومعرفة أسباب الخطر الكامنة فيه.

فهم حينما يقرؤون التاريخ الإسلامي يتوقفون أمام الفتوحات الإسلامية مبهورين يتساءلون: كيف تمكن المسلمون من مواجهة الدولتين الأعظم في ذلك العصر “الفرس والروم” وقاموا بفتح بلادهم والممالك التي كانت خاضعة لهم، كيف امتدت هذه الفتوحات إلى شمال أفريقيا ومنها إلى الأندلس في غرب أوروبا ثم إلى بلاد السند والهند وما وراء النهر حتى حدود الصين، وكيف استظلت برايته حضارات وثقافات وأقبلت على الدخول فيه أمم وشعوب على اختلاف الأجناس والألوان، والأعجب من ذلك أن كل هذا قد تم في فترة وجيزة، وفي سرعة مذهلة تقل عن قرن من الزمان، وهو ما لم يحدث من قبل في تاريخ الأمم والحضارات حتى قال أحدهم: إن العرب فتحوا في ثمانين سنة أكثر مما فتحه الرومان في ثمانمائة سنة، وقال الآخر: إن العرب فتحوا نصف الدنيا في نصرف قرن وقال ثالث: لقد تمكن الإسلام من أن ينتصر في جيل واحد في مائة معركة، وأن ينشئ دولة عظيمة في قرن واحد، وأن تبقى إلى يومنا هذا قوة ذات خطر عظيم في نصف العالم.

كذلك فإن الغربيين لا ينسون أنهم هزموا في الحروب الصليبية، ثم حاولوا إخراج المسلمين من الأندلس لكنهم قبل أن يخرجوا منها – بعد أن مكثوا فيها ثمانية قرون – كان العثمانيون قد فتحو القسطنطينية “حصن المسيحية الشمالية المنيع الشامخ الذي استعصى من قبل على المسلمين الأوائل” واستولوا عليها بقيادة البطل الشاب محمد الفاتح والذي حول كنيسة آيا صوفيا إلى مسجد جامع صلى فيه المسلمون، ثم قاموا بنشر الإسلام في بلاد البلقان وشرق أوروبا، وهددوا فيينا عاصمة النمسا أكثر من مرة مثلما كان المسلمون في الأندلس قريبين من باريس التي كانت تغط في نوم عميق وتبيت في ظلام دامس في الوقت الذي كانت فيه قرطبة وطليطلة تضاءان بالمصابيح ليلاً. ومعنى هذا أنه في الوقت الذي بدأ فيه انحسار الإسلام من غرب أوروبا بدأ المد الإسلام في شرق أوروبا.

وكذلك فإن الغربيين يقفون أمام ما يسمى بالمعجزة التاريخية التي لم تتكرر حيث انفرد الإسلام بها، وهي أن التتار بعد أن هزموا المسلمين في بادئ الأمر، ودمروا بغداد تحولوا إلى الإسلام، ودخلوا فيه فهذه أول مرة يدخل فيها المنتصر دين المنهزم، ولا يعني ذلك إلا أن الإسلام هو سبب قوة المسلمين وسر عزتهم وانتصاراتهم مثلما قال الفاروق “لقد أعزنا الله بالإسلام فإذا ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله”.

ومن أجل ذلك كله فإن الغربيين يخافون من الإسلام، وأصبح هذا الخوف هاجساً مستقراً في أعماقهم بسبب الفتوحات الإسلامية في الماضي، وبسبب الأخطار المحتملة في المستقبل.

وهذا هو المستشرق الكندي المعاصر “ولفرد كانتول سميث” يقرر أن أوروبا لا تنسى الفزع الذي ظلت تزاوله عدة قرون من الفتح الإسلامي، وأن هذا الفزع لا يدانيه شيء في العصر الحديث.

ويقول المستشرق الأمريكي “روبرت بين”: “إن لدينا أسباباً قوية لدراسة العرب والتعرف على طريقتهم، فقد غزوا الدنيا من قبل، وقد يفعلونها ثانية! إن النار التي أشعلها محمد ما تزال تشتعل بقوة، وهناك ألف سبب للاعتقاد بأنها شعلة غير قابلة للانطفاء.[5].

ولكي يتجنب الغربيون خطر هذا الإسلام المخيف رأوا ضرورة سلخ المسلمين عن دينهم، وتحللهم من مبادئهم، وذلك بالغزو الفكري لعقولهم وأفكارهم حتى يتخلصوا من عقائد دينهم التي تدعوهم إلى الجهاد ومقاومة المعتدين، وتبعث في نفوسهم الحمية والأنفة من الخضوع للمستعمر.

ولقد لخص “جلادستون” – رئيس الوزراء البريطاني – كل ذلك في قولته المشهورة “ما دام هذا القرآن موجوداً في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق”[6].


[1] راجع ذلك في وقعنا المعاصر، ص182-183.

[2] راجع احذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام، ص40-42.

[3] راجع الإسلام والاستعمار ص243، المجلد الثامن من المجموعة الكاملة لعباس العقاد.

[4] راجع التبشير والاستعمار، ص184، للدكتورين مصطفى الخالدي وعمر فروخ، منشورات المكتبة العصرية، صيدا – بيروت، 1995م.

[5] راجع مذاهب فكرية معاصرة للأستاذ محمد قطب، ص596-597، دار الشروق – مصر، وواقعنا المعاصر، ص284.

[6]راجع دراسات في الفكر الإسلامي الحديث، ص96.