المرأة والطلاق والصفات المرغوبة في الزوجة

من أشد الأمور على نفس المرأة العاقلة تهديدها بالطلاق، فالطلاق هدم لعش الزوجية الدافئ، الذي بنته المرأة بعواطفها وأحاسيسها، هدم لمملكتها وعرشها الذي تتربع عليه، تبخر لأحلامها التي تخطط من خلاله للمستقبل السعيد، قطع لوشائح المودة التي نسجت خيوطها من مشاعرها.

ويكون الوقع أعظم والمصيبة أشد إذا علمت المرأة أن طلاقها يستتبع الاستبدال بها ويكون هذا البدل خيرًا منها.

لقد شاهدنا بعض النساء طلقهن أزواجهن طلاقًا بائنًا، وعندما سمعت إحداهن أن زوجها السابق سيتزوج بأخرى، حاولت المستحيل للحيلولة دون هذا الزواج وعندما قيل لها: هل لك أمل في العودة إليه؟ قالت: حسب الظاهر لا، ولكن لا أتحمل رؤية أخرى تحل محلي وتعيش في بيت أنا كونته ورتبته.

إنها طبيعة المرأة ومشاعرها وتكوينها العاطفي، والذي خلقها وأودع فيها هذه القوى والطاقات، عليم بما يصلح شأنها.

ولعله من باب التكريم لأمهات المؤمنين أن يأتي هذا التهديد في صيغة الرجاء والتعليق بالشرط ﴿ عَسَى[1] رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ﴾ [التحريم: 5].

وإشارة إلى أنه يكفي العاقل في الخوف تجويز احتمال الضرر.

وهو من باب إشارة العظماء والكبراء في اكتفائهم بالإشارات والرموز ولله المثل الأعلى في السموات والأرض.

 

درس: الصفات المرغوبة في الزوجة:

عندما هددت أمهات المؤمنين بالاستبدال بهن غيرهن خيرًا منهن، جاء تفصيل هذه الخيرية بذكر سبع[2] صفات تتوفر في كل واحدة منهن فقال تعالى: ﴿ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ﴾ [التحريم: 5].

وكلها صفات تدل على المستوى الإيماني الرفيع والتحلي بالأخلاق النبيلة، وإيثار الآخرة على الفانية.

وهي الصفات التي ينبغي البحث عنها في الزوجة التي يقدم الرجل للاقتران بها وهو تفصيل لما رغّب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله “فاظفر بذات الدين تربت يداك”[3].

ولم يرد بين تلك الصفات المرغوب فيها صفة تتعلق بظاهر شكل المرأة أو جمالها أو غناها أو نسبها، فإنها أمور لا ترقى إلى مرتبة الترغيب بها.

أما ما ورد من ذلك في حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فهو وصف للواقع حيث قال: “تنكح المرأة لأربع: لمالها وجمالها ونسبها ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك”[4]. فإن النفس الإنسانية تميل إلى هذه الأمور ولكن العقل الراشد يختار الأفق والأصلح للدنيا والآخرة.

———————————————————————————————————————————————

[1] يقول أهل اللغة والنحو: كل (عسى) في القرآن واجب إلا في هذا الموضع.

وقيل: هو واجب ولكن الله عز وجل علّقه بشرط وهو التطليق ولم يطلقهن وهو كقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [محمد: 38] وكقوله تعالى: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الزمر: 65].

[2] يقول الشيخ طاهر بن عاشور: هذه الصفات انتصبت على أنها نعوت لـ(أزواجاً) ولم يعطف بعضها على بعض بالواو لأجل التنصيص على ثبوت جميع تلك الصفات لكل واحدة منهن، ولو عطفت بالواو لاحتمل أن تكون الواو للتقسيم، أي تقسيم الأزواج إلى من يثبت لهن بعض تلك الصفات دون بعض، ألا ترى أنه لما أريدت إفادة ثبوت إحدى صفتين دون أخرى من النعتين الواقعين بعد ذلك كيف عطف بالواو قوله (وأبكاراً) لأن الثيبات لا يوصفن بأبكار، والأبكار لا يوصفن بالثيبات. انظر التحرير والتنوير (28/362).

[3] انظر صحيح البخاري، كتاب النكاح (6/123).

وصحيح مسلم، كتاب الرضاع (4/175).

[4] انظر صحيح البخاري، كتاب النكاح (6/123).

وصحيح مسلم، كتاب الرضاع (4/175).