القياس من مصادر الثقافة الإسلامية

شارك في التأليف: الأستاذ الدكتور فتحي محمد الزغبي.

تمهيد: أهمية الاجتهاد والقياس في حياة الأمة:

لقد اشتملت نصوص الكتاب والسنة على ثوابت الإسلام، وكلياته، وقواعده الأساسية، مما جعل الإسلام وطيد الأركان، ثابت الأسس، عصياً على أهل الأهواء من التحريف والاستبدال.

وفي الوقت ذاته اشتملت نصوص الكتاب والسنة على أساليب، ومناهج تضمن المرونة في أحكام الشريعة لمسايرة التطور، واستيعاب الأحداث والقضايا المستجدة في كل عصر ومكان، مما يضمن صلاحيته في كل زمان ومكان.

إن مرونة الإسلام وحيويته تكمن في: تلك الأحكام العامة، والقواعد الكلية التي عالجت مشكلات الإنسان كإنسان، مجرداً عن الارتباط ببيئة أو عصر معين.

وكذلك في اشتمال النصوص الكريمة على علل الأحكام، والحكمة من تشريعها، مما فتح المجال أمام العلماء المجتهدين من أهل الاختصاص في علوم الشريعة، أن يمعنوا النظر في علل النصوص والأحكام، ثم يلحقوا النظير بالنظير إذا اتحدت العلة، ويقيسوا المستجدات من الأحداث على السوابق الغوابر من الوقائع.

هذا ما وضعه علماء الشريعة تحت مبحث القياس، وجعلوه المصدر الرابع من مصادر الشريعة، وهو رافد من روافد الثقافة الإسلامية في مجالات التجديد والتطوير.

تعريف القياس:

تعريف القياس لغة واصطلاحاً:

يطلق القياس في اللغة على: تقدير شيء بشيء، يقال: قست القماش بالذراع، وقست الأرض بالميل أي قدرتها، ثم شاع استعمال القياس في التسوية بين الشيئين الماديين أو المعنويين، فكما تقول: قست طول الثوب بطوله وعرضه بعرضه، تقول: فضل فلان لا يقاس به فضل الآخرين، وعلم فلان لا يقاس به علم فلان.

والقياس في الاصطلاح: هو إلحاق فرع بأصل في الحكم؛ لاشتراكهما في العلة.

أضواء على التعريف الاصطلاحي:

الأصل: وهو ما ورد النص (من القرآن أو السنة) بحكمه ويسمى المقيس عليه.

حكم الأصل: وهو الحكم الشرعي الذي دلت الآية الكريمة، أو الحديث النبوي الشريف عليه.

الفرع: وهو الجديد من الحادثة، أو الواقعة أو الأمر الذي يراد معرفة حكمه ويسمى المقيس.

العلة: وهو الوصف الموجود في الأصل، الذي شرع الحكم بناء على وجوده فيه، وهو الحامل للمجتهد أن يثبت حكم الأصل للفرع لوجود نفس الوصف (أو العلة) فيه.

حجية القياس:

ثبتت حجية القياس بالقرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال الصحابة وبالمعقول.

حجية القياس من القرآن الكريم:

قد ورد قوله تعالى تعقيباً على حادثة بني النضير: ﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [الحشر: 2]، تحذيراً لمن يخون الله ورسوله من سوء العاقبة التي حصلت لبني النضير.

فهنا نجد أن بني النضير هم المقيس عليهم فهذا الأصل، وأن المحذرين من غيرهم هم المقيس فهذا الفرع، وأن العلة التي كانت السبب في إحلال العقوبة بهم هي خيانتهم لله ولرسوله، والعهود التي أعطوها للمسلمين.

فكان حكم الأصل إنزال العقوبة بهم من الإجلاء عن ديارهم واستباحة أموالهم وجعلها فيئاً للمسلمين. وهذا الحكم ينتظر من ظهرت فيه تلك العلة. وهكذا جميع الأمم والأقوام الذين أنزل الله بهم العقوبات يمكن أن تكون أمثلة على القياس، وبالتالي فهي حجة على استخدام القرآن الكريم للقياس. مثل ما ورد في قوله تعالى: ﴿ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ﴾ [القمر: 43]، وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [يونس: 13].

حجية القياس من السنة النبوية:

ظهرت من خلال قياس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقائع بعضها على بعض، فمثلاً: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود وإني أنكرته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقاً، فأنى ترى ذلك جاءها؟ قال: يا رسول الله عرق نزعها، قال: ولعل هذا عرق نزعه[1]. فهنا الأصل (المقيس عليه): هو الإبل، والمقيس (الفرع): هو الولد والعلة نزع عرق، والحكم: ثبوت النسب.

في مثال آخر: عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: إن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال صلى الله عليه وسلم نعم حجي عنها: أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، فقال: فاقضوا الله الذي له، فإن الله أحق بالوفاء[2].

وهنا دين العباد: (الأصل)، ودين الله: (الفرع)، وانشغال الذمة بحق: (العلة)، والحكم براءة الذمة وخلوها بالوفاء.

حجية القياس من حياة الصحابة:

أمر الصحابة بالقياس عند عدم الدليل الصريح، وعملوا به في فتاواهم واستنباطاتهم: فقد ورد في كتاب عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري (.. الفهم الفهمَ فيما أُدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله، وأشبهها بالحق)[3].

وقاس عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما – الجد على ابن الابن في حجب الإخوة. وقال: ألا يتقي الله زيد بن ثابت، يجعل ابن الابن ابناً، ولا يجعل أب الأب أباً[4]؟

وأثبت الصحابة الخلافة لأبي بكر وأحقيته بها؛ قياساً على اختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم له للإمامة في الصلاة في المرض الذي توفي فيه صلى الله عليه وسلم فقالوا: رضيه رسول الله لديننا أفلا نرضاه لدنيانا[5]. وهذه الأخبار وغيرها تدل على القياس، ولم ينكرها أحد، فدلت على صحة الأخذ بالقياس، وأفادت التواتر المعنوي في ذلك.

حجية القياس من المعقول:

فالعقل يحتم علينا أن نثبت حكم النظير للنظير، والشبيه للشبيه، وهو ما يقتضيه عدل الرب -سبحانه وتعالى- وحكمته، ويتفق ومنهج الشريعة في تشريع الأحكام لتحقيق مصالح العباد.

ثم إننا نعلم أن نصوص الكتاب والسنة محدودة متناهية، ووقائع الناس غير متناهية فلا يمكن أن يحيط المتناهي بغير المتناهي، فكان لا بد من ملاحظة العلل والمعاني التي تضمنتها النصوص، أو أشارت إليها… وإعطاء الحكم المنصوص عليه لكل واقعة تتحقق فيها علة الحكم، وبهذه الطريقة وهذا المنهج لا تضيق الشريعة بأي واقعة جديدة أو نازلة لم تقع من قبل، ولم يرد بحكمها نص.

أمثلة على القياس:

جاء النص على تحريم الخمر في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: 90].

ويقاس على الخمر كل مسكر من الشراب كالنبيذ والمخدرات.. وغيرها فحكمها التحريم لوجود علة الإسكار وجاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “القاتل لا يرث”[6] وعلة الحرمان اتخاذ القتل بغير حق وسيلة لاستعجال الشيء قبل أوانه، فيعاقب بحرمانه، ويقاس عليه قتل الموصى له من أوصى له (الموصي) في الحكم لوجود العلة فيهما.

وجاء النهي عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الجمعة: 9].

ويقاس عليه في الحكم: الإجارة، والرهن، والنكاح في هذا الوقت؛ لوجود العلة فيها جميعاً، وهي الانشغال عن صلاة الجمعة.


[1] متفق عليه واللفظ للبخاري رقم (6884) باب من شبه أصلاً معلوماً بأصل مبين 6/2667.

[2] رواه البخاري رقم (6885) باب السابق 6/2668.

[3] رواه البيهقي في السنن الكبرى باب لا يحيل حكم القاضي على المقضي له 10/150.

[4] بداية المجتهد2/260.

[5] الإحكام للآمدي 1/326، وروى في معناه ابن عبدالبر في التمهيد عن علي 22/129.

[6] رواه أحمد في مسنده (346) 1/49، وأبو داود في سننه (4564)، وابن ماجه (2645)، والترمذي (2109).