التكريم على ملأ من الناس من الأساليب التربوية الناجحة

جبلت بعض النفوس على الاكتفاء بالحصول على حظها من المنافع من غير اهتمام بالأسلوب الذي استخدم في إيصال هذه المنفعة إليه، فإن وصلته المكافأة وصارت في حوزته فسيّان عنده أكانت من المعطي مباشرة أو بواسطة غلمانه، وسواء وصلته سرًا أو على ملأ من الناس، وسواء كانت من خلال العمل اليومي أو في حفل تكريم خاص.

فالنتيجة أن تكون في يده وتصله منفعتها وكفى.

ولكن بعض الطبائع مختلفة تمامًا فالجانب الأدبي والمظاهر التي ترافق المكافأة تكون أهم عنده وأغلى من قيمة المكافأة المادية.

وربما وصل الأمر ببعض الناس أن يكون لديهم الاستعداد للتنازل عن قيمة المكافأة الحقيقية لقاء مظاهر التكريم التي توصل المكافأة إليه. وكثيرًا ما تكون المكافأة الأدبية المعنوية ذات قيمة عند المكافأ لا تقدر بثمن مادي.

إننا نتلمس شيئًا من تلك الإشارات في مظاهر التكريم على الملأ من الناس في قوله تعالى ﴿ .. يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التحريم: 8].

فتكفير السيئات وإدخال الجنة لا يكون في خفية من الناس بل يكون في موكب كريم مهيب يشهده الأنبياء والمرسلون وعباد الله المكرمون تحفهم الملائكة وتتلقاهم بالبشارة والترحاب.

والمؤمنون يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، كلٌ يضيء له نوره على قدر إيمانه[1].

في هذا اليوم المشهود تبرز مكانة أهل الإيمان والعمل الصالح فتتلألأ أنوارهم ويجوزون الصراط على ضوئها.

وما أن يقتربوا من أبواب الجنة وإذ بهم يستقبلون من قبل الملائكة بالترحاب والثناء عليهم، إن الحشر في هذا الموكب الكريم وهذا النور الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم وتلقي الملائكة لهم لهي سعادة لا تضاهيها سعادة الدنيا كلها فما بالك بالنعيم المقيم والأمن من العذاب ثم تتويج ذلك بالنظر إلى وجه الرب الكريم.

﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾ [الزمر: 73].

أما أهل الكفر فظلام دامس وظلمات بعضها فوق بعض، ظلمة جهنم وظلمة القعر السحيق، وظلمة القتر المتصاعد، وظلمة قلوبهم ووجوههم.

أما المنافقون والمنافقات فيتقد لهم نور في نظير إقرارهم بكلمة التوحيد ظاهرًا فإذا مشوا طفيء فيمشون في ظلمة، فيقعون في النار ﴿ جزاءً وفاقًا ﴾.

﴿ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ [الحديد: 13 – 14].

في هذا اليوم العظيم وبعد أن يرى المؤمنون أن نور المنافقين قد اطفيء يجأرون إلى ربهم بإتمام نورهم، فلا يخزيهم الله سبحانه وتعالى.

﴿ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التحريم: 8].

———————————————————————————————————–

[1]عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى ﴿ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ [الحديد: 12] قال: “على قدر أعمالهم يمرون على الصراط مهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم وأدناهم نوراً من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ مرة”.

وقال قتادة: ذكر لنا أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يقول: “من المؤمنين من يضيء نوره منا لمدينة إلى عدن أبين وصنعاء فدون ذلك، حتى إن من المؤمنين من يضيء نوره موضع قدميه”.

انظر الروايات في تفسير ابن كثير (4/308).