احترام العلم والعلماء بين المسلمين ورجال الكنيسة

• شارك في التأليف الأستاذ الدكتور فتحي محمد الزغبي.

قالوا: إن أوروبا كانت مكبلة بقيود الدين، ولم تستطع التطور والتقدم إلا عندما حطمت تلك القيود، وانطلقت في البحث العلمي، وأعطت حرية الفكر والقول للعلماء والمفكرين. فسر نهضة أوروبا وتقدمها كان بالتخلص من نفوذ الكنيسة. ولا يمكن التقدم والنهوض في العالم الإسلامي إلا بالتخلص من الدين الإسلامي وإلغائه من مجالات الحياة العلمية وحصره في دور العبادة كما فعل الغرب.

 

الرد: إن المطلع على تاريخ العالم الدارس لتطور الحضارات – إذا كان منصفاً لا يسوقه الهوى – يدرك بجلاءٍ الاختلافاتِ الجوهريةَ بين ما كان عليه حال أوروبا مع رجال الكنيسة – وقد تقدمت الإشارة إلى جملة أمور، ولا داعي لتكرارها – وبين واقع علماء المسلمين في الدورة الإسلامية منذ أن أسسها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة العام الأول للهجرة النبوية الشريفة الموافق للعام 600م، إلى أن أسقطها العلمانيون الملاحدة بالتعاون مع الماسونية العالمية ومن ورائهم اليهود عام 1340هـ – 1924م.

 

ولم يسجل التاريخ الإسلامي في حادثة واحدة أن عالماً من علماء الفلك أو الفيزياء أو الكيمياء أو الطب أو الرياضيات.. اضطهد أو ضيق عليه أو حكم عليه بالموت أو السجن بسبب أبحاثه أن نظرياته العلمية، سواء كانت النتائج التي وصل إليها خطأ أو صواباً، بل كانت مراكز البحث العلمي، التي كانت تسمى (دور الحكمة) في العصر الأموي والعصر العباسي، مجال اهتمام الخلفاء وتخصيص الميزانية الضخمة لها وكان العلماء المختصون يتسابقون إلى اكتشاف الجديد في مجال تخصصاتهم ويؤلفون الكتب في ذلك، ويقدمونها هدايا للخلفاء لينالوا عليها الجوائز والمكافآت السخية.

 

ومن أحكام الإسلام المتفق عليها بين الفقهاء أن أي حرفة أو صناعة أن علم من العلوم التجريبية التطبيقية – يحتاج إليه المسلمون، فتحقيقه وإيجاده في بلاد المسلمين فرض كفاية، إن قصر في تحقيقه المسلمون أثموا جميعاً، ومعنى هذا أن ممارسة هذه العلوم والعمل على تحقيقها في بلاد المسلمين عبادة يؤجر عليها الممارسون لها عند الله تعالى، ويحاسبون عليها يوم القيامة إن هم قصروا في ذلك.

 

فهل يقارن هذا بما كان عليه حال رجال الكنيسة من قتل العلماء وحرقهم إذا قالوا في الفلك أو غيره ما يخالف رأيهم.

 

وأمر آخر ينبغي التنبيه عليه، وهو أن المراكز العلمية في الدولة الإسلامية ما كانت تفصل بين العلوم التطبيقية كالفيزياء والكيمياء والرياضيات والهندسة والفلك وبين علوم الشريعة كالتفسير والحديث والفقه وبين علوم اللغة العربية كفقه اللغة والنحو والصرف والبلاغة. فالمدرسة الظاهرية في بغداد ونيسابور وسمرقند ودمشق ومسجد قرطبة، والزيتونة والأزهر. كانت مراكز إشعاع ومنارات هدى لكل هذه العلوم. ونقرأ في سيرة كثير من علماء السلف الأفذاذ، أنه كان موسوعة علمية يجمع بين اختصاصات كثيرة من هذه العلوم: في الطب والفلك والرياضيات وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلم القراءات والتفسير.

 

ولم تفصل هذه العلوم عن هذه الجوامع والمساجد ودور العلم إلا عندما دخلت العلمانية مع جيوش المستعمر لتقضي على آخر هذه المعاقل تحت مسمى التطوير فأبعدوا عنها العلوم التجريبية التطبيقية كما فعلوا في الزيتونة والقيروان وأخيراً في الأزهر.

 

إن تاريخ المسلمين يعطينا مؤشرات واضحة ودلالات بينة أن المسلمين كلما التزموا بهدايات الإسلام وطبقوه حق التطبيق، كلما كانوا في مقدمة الأمم في جميع مجالات العلوم والصناعات والحرف، وكانت دولتهم أقوى دولة وشعوبهم أسعد الشعوب وكانت حواضرهم قبلة طلاب المعرفة.

 

وكلما ابتعدوا عن دينهم وأهملوا هداياته كانوا في مؤخرة الركب الحضاري وأصبحوا تبعاً لغيرهم، كما هو الحال عليه الآن.

 

فكيف يزعم الناعقون أن الإسلام يشكل عقبة في سبيل التقدم العلمي؟ ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ﴾ [الكهف: 5].