أنواع العبادات في الإسلام

شارك في التأليف: الأستاذ الدكتور فتحي محمد الزغبي.

على ضوء مفهوم العبادة الواسع الذي ذكرناه، سنذكر جملة من العبادات في الإسلام ونبدأ بالشعائر التعبدية أركان الإسلام الخمسة: الشهادتان، الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج.

 

كلمة التوحيد (الشهادتان):

1- أهميتها:

“أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله” بطاقة دخول الإسلام، وقاعدة الإيمان، بهما تعصم الدماء، وتصان الأعراض والأموال، فإذا كان الإسلام لا يقوم إلا بالأركان، فإن الإسلام وأركانه الأربعة لا يقوم إلا بالشهادتين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار”[1].

وعن جابر قال: ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله ما الموجبتان؟ فقال: “من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار”[2].

وكلمة التوحيد روح الأعمال والعبادات كلها. ومن غير أن تسري روح (لا إله إلا الله محمد رسول الله) في العمل فهو جثة هامدة لا خير فيها.

ومعنى قولنا لا إله إلا الله: أن لا معبود بحق، ولا مستجار به ولا محبوب ولا مالك ولا مطاع ولا معتصم له ولا سيد ولا حاكم إلا الله. فالتوكل عليه واجب والاستجارة بغيره باطلة ومحبته فريضة ومحبة غير لا تكون إلا بإذنه، وهو المستحق للتعظيم، وهو مصدر التحليل والتحريم، وهو مصدر التشريع، فهو ذو الجلال والكمالات لا إله غيره.

ومعنى أشهد أن لا إله إلا الله: أن يتيقن بعقله وقلبه أن لا إله إلا الله وأن ينطق بها لسانه، فإن جزم بها قلبه ولم ينطق بها لسانه عناداً وتكبراً فهو كافر. ومن قالها بلسانه ولم يتيقن بها قلبه أو تردد فيها فهو منافق، ولا يتم الشق الأول إلا بالشق الثاني (وأشهد أن محمداً رسول الله).

2- مقتضاها:

أ‌- أن تعتقد أن لا خالق ولا رازق ولا مدبر ولا محيي ولا مميت إلا الله، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾ [فاطر: 3].

ب‌- أن تعتقد أن لا مستحق للعبادة والتعظيم والتقديس والشكر غير الله سبحانه وتعالى مع الاعتقاد أن هذه العبادة وهذا التعظيم والتقديس والشكر لا ينفع الله شيئاً.. ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 8].

وفي الحديث القدسي “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته استطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه”[3].

ج‌- أن تعتقد أن مصدر التشريع والحكم والتوجيه هو الله وحده لا شريك له فإن الذي تفرد بالخلق وبالرزق وبالتدبير هو وحده صاحب الحق في التشريع والتنظيم لهذه الحياة، وهو العليم بما يصلح حال عباده ﴿ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14].

د‌- أن تعتقد أن طريق تلقي الهداية والتوجيه والأمر والنهي هو محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله الذي أرسله للناس كافة، وكل طريق للمعرفة غير طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي بدعة في الدين وإلحاد فيه، يقول الله عز وجل: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الحشر: 7]، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”والذي نفسي بيده لو أن موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني”[4].

هـ- من مقتضيات الشهادتين – كلمة التوحيد – الالتزام بما أمر الله سبحانه به، واجتناب ما نهى الله تعالى عنه، ووصلنا عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي تولى تبليغه وبيانه بالقول والتطبيق العملي في حياته، ومن بدهيات ذلك الاعتقاد بأركان الإيمان الستة، وبما ورد في قضايا الغيب، والعمل بالتكاليف العملية التي أمرنا بها من أركان الإسلام وتوابعها في مجالات الحياة كلها.

 

3- آثارها

لكلمة التوحيد آثار عظيمة على معتقديها، على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة، كما هو الحال في العبادات الإسلامية كلها:

أ- من آثار كلمة التوحيد على الفرد المؤمن:

1- تستوي حياته وتستقيم وتكون خير حياة وأنظفها وأجملها، ويشعر بالسعادة والطمأنينة في قرارة نفسه ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ﴾ [طـه: 123]، يزول التناقض بين المشاعر والعواطف والقناعات والسلوك فكلها منسجمة مع كلمة التوحيد؛ لأن المشاعر والعواطف والقناعات العقلية والأعمال السلوكية كلها تبع لما تقتضيه كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) والكلمة الجامعة التي يعبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا قوله: “لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به”[5].

فكل ما تميل إليه نفسه مما يرغب فيه ويحب تبع لما جاء به، وكل ما يبغضه ويكرهه هو مما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

2- كلمة التوحيد تجعل صاحبها يشعر بالاستعلاء، لأنه على الحق والإيمان، يقول عز وجل: ﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 139]، ولئن نزلت الآية بمناسبة غزوة أحد، تضع البلسم على جراحات المسلمين الذين انقلب نصرهم إلى هزيمة، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالمؤمن مستعل بإيمانه على قيم الناس الوضعية، مستعل بإيمانه على تهافت الناس على حطام الدنيا الزائلة، مستل بإيمانه على تشبث الناس بالحياة الدنيا والحرص على البقاء فيها.

ب- أما آثار كلمة التوحيد على الجماعة:

1- كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) الرباط الذي يربط القلوب التي آمنت بها. فهي العروة الوثقى التي تجتمع عليها الأمة، وبمقتضياتها يتحركون.

2- كلمة التوحيد بمقتضياتها الإيمانية تكون القاعدة الاجتماعية في المجتمع الإسلامي وتنبثق منها التشريعات الدستورية، والأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، والعلاقات الدولية، فهي مصدر التنظيم الاجتماعي كله، ومصدر التحريم والتحليل في كل أفعال الناس، ﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾ [النساء: 65].

إن (لا إله إلا الله محمد رسول الله) منهج حياة كامل، فيشمل الجانب الاعتقادي والجانب التعبدي والجانب السلوكي العملي.

3- كلمة التوحيد شعار الأمة في حمل راية الدعوة إلى الله، ونشر الحضارة الربانية في أرجاء الأرض.. وأول ما يجابهون به أعداءهم، دعوتهم إلى قول (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فإن قالوها، أصبحوا إخواناً في الله متحابين، الجميع سواسية في الاستظلال بظلال كلمة التوحيد.

4- كلمة التوحيد تجعل أهلها على انسجام مع نواميس الكون كله، فالكون خلقه الله سبحانه وتعالى ووضع له سنناً ونواميس يجري عليها، وخلق الإنسان ووضع له غرائز وفطرة وحاجات عضوية، ليس له خيار في وجودها ولا يستطيع التخلص منها. وأنزل شرائع بواسطة أنبيائه لكي يسير عليها الإنسان فيوفق بين سلوكه – في دائرة الاختيار الذي أمكن منها -وبين سنن الله في نفسه وبين سنن الله في كونه.

فعندما يلتزم الإنسان بمقتضيات (لا إله إلا الله محمد رسول الله) يتم الانسجام مع سنن الله في الكون وفي مخلوقاته، فيستطيع العيش بسلام مع ما يحيط به، وييسر عليه الانتفاع بما في الكون من طاقات وأسرار لتحقيق السعادة للبشرية من غير تصادم ولا تعارض ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ [آل عمران: 83].


[1] رواه مسلم عن عبادة بن الصامت، رقم (29)، 1/ 57.

[2] رواه مسلم، رقم 93، باب من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة 1/ 94.

[3] أخرجه مسلم في صحيحه، رقم 2577، باب تحريم الظلم، 4/ 1994.

[4] مجمع الزوائد، 1/ 174، باب ليس لأحد قول مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار.

[5] السنة لابن أبي عاصم، رقم 15/ 1/ 12، وانظر فتح الباري 13/ 289، وقال الحافظ: رجاله ثقات وقد صححه النووي في آخر الأربعين، وفي جامع العلوم والحكم، رقم 41، وقال الحافظ ابن رجب: حسن صحيح.