آثار العلمانية في العالم الإسلامي في مجال الثقافة والتعليم

شارك في التأليف: الأستاذ الدكتور فتحي محمد الزغبي.

لئن كانت آثار العلمانية نتيجة طبيعية في العالم النصراني، لأن ولادتها كانت ولادة طبيعية في عالم لم يكن فيه للدين آثاره العملية على حياة الناس؛ لعجزه عن مواكبة التطور في الحياة، ولأن رجال الدين الذين نسبوا إلى المسيح “أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله” لم يجدوا في العلمانية تصادماً مع هذا المبدأ، فتخلوا عن مجالات الحكم والاقتصاد والثقافة والعلم والاجتماع، وانزووا في كنيستهم، ليلتزموا بالقول الآخر الذي نسبوه إلى المسيح أيضاً “مملكتي ليست من هذا العالم” لينصرفوا إلى طقوسهم الدينية، ويتركوا الدنيا للشيطان وأوليائه؛ لأن مملكة الشيطان الدنيا محط الشرور والآثام – كما يزعمون – ومملكة الرحمن الآخرة حيث السعادة والاستمتاع.

 

والانتقام من الأشرار المفسدين الذين عاثوا فساداً في الحياة الدنيا (مملكة الشيطان) حسب شرحهم للقول المنسوب إلى المسيح.

 

إلا أن هذا المفهوم بعيد عن حس المسلمين الذي نظم الإسلام حياتهم اليومية من الاستيقاظ من النوم إلى المبيت، ونظم علاقاتهم الاجتماعية التي تبدأ من الأسرة إلى علاقة الراعي بالرعية مروراً بالمؤسسات المدنية والتشريعية والتنفيذية والقضائية ونظم شؤونهم الاقتصادية من الكسب إلى الإنفاق إلى اقتصاد الأمة إلى المعاملات التجارية ما يحل منها وما يحرم، ونظم كذلك أوضاع المسلمين في الحرب والسلم والعلاقات الدولية.

 

لذا لم تجد العلمانية لها موطئ قدم في بلاد المسلمين إلا من خلال فوهات مدافع البوارج الحربية أو من خلال الدجل والتمويه والنشر بقناعات مزيفة؛ ليحاول أتباعها الظهور بعدم معارضة العلمانية للإسلام، ولأن المسلمين يفهمون أن العلمانية دين ومنهج للحياة، يريد أصحابه أن يحلوه محل دين الإسلام في العقيدة والتشريع والثقافة والاقتصاد والاجتماع، من هذا الفهم للعلمانية كان موقف علماء المسلمين ومفكريهم الرفض التام للعلمانية ورأوا فيها: (أ) شركاً بالله تعالى، (ب) وردة عن شرائع الإسلام.

 

وتركت العمانية آثارها في جميع مجالات الحياة في العالم الإسلامي من أهم هذه المجالات:

أولاً: مجال الثقافة والتعليم:

حمل دعاة العلمانية حملة شعواء على ثقافة الأمة وتراثها الحضاري، وبثوا سمومهم وشكوكهم في أصالة التراث الثقافي للمسلمين، وزعموا أنها لم تأت بجديد، وأن جديدها منقول من الأمم الأخرى، ولم تسلم عقائد الأمة وثوابتها من الطعن واللمز والغمز، بل قام من يشكك بالوحي المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشكك في مصدر القرآن ليثيروا من جديد ما سبقهم إليه مشركو العرب: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الفرقان: 4، 5].

 

ولما كانت معجزة القرآن واضحة ولا زال تحديه مستمراً ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 23، 24].

 

ولما كان إدراك معاني القرآن وأسراره لا تفهم إلا باللغة العربية، شنوا هجوماً على اللغة العربية، تارة بدعوى صعوبة قواعدها ونحوها فأرادوا – في زعمهم – تيسيرها بالدعوة إلى العامية وإلغاء قواعد النحو، وتارة بصعوبة إملائها وكتابتها فدعوا إلى الاستبدال بها الحروف اللاتينية. ولا زال الناعقون ينعقون بين الحين والآخر بنفايات الفكر العلماني على ثوابت الأمة وعقائدها.

 

ولكن هذه الهجمات أثرت في طبقة من أبناء الأمة الذين لم يكن لهم رصيد من العقيدة يصونهم، وخلفية ثقافية عن اللغة العربية ودورها في خدمة الإسلام وصيانة وحدة الأمة الإسلامية، وربط الجديد المستحدث بالأصيل القديم.

 

لقد تعددت مدارسهم التي تشكك في ثوابت الأمة فتارة يرفعون شعار الحداثة وتارة يرفعون شعار التطور والتقدمية، وكل ما فل سلاح شحذوا آخر. أما على مستوى المناهج التعليمية فكان أثر العلمانية أشد، نظراً لتبوأ العلمانيين المناصب التي أسند إليها التخطيط والتوجيه، فكان أن قلصوا ساعات تدريس الإسلام حصروا تدريسه بعقائده وعباداته وأخلاقه وتشريعاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية حصروا كل ذلك في ساعتين في الأسبوع، وفي بعض الأقطار الإسلامية في ساعة واحدة، بل ألغيت من أساسها في بعض الدول، ولم تحتسب درجات مادة التربية الإسلامية في معدل الشهادة الثانوية في بعضها.

 

أما المدارس الدينية والجامعات الإسلامية وحلقات تحفيظ القرآن فلا زالت المضايقات عليها، وتغيير مناهجها واتهام القائمين عليها بالرجعية والأصولية وخريجيها بالإرهاب والتطرف ولا زالت الحرب الشعواء على أشدها، وقد اشتد أوارها بعد تبني العلمانية شعار العولمة التي سنتحدث عنها إن شاء الله تعالى.