موقع أ.د مصطفى مسلم
الموقع الرسمي لفضيلة الأستاذ الدكتور مصطفى مسلم

مكانة العبادة في الإسلام

شارك في التأليف: الأستاذ الدكتور فتحي محمد الزغبي.

ندرك مكانة العبادة في الإسلام وأهميتها من خلال جملة أمور:

الأسلوب القرآني في الحديث عنها:

ففي قوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56].

استخدم أسلوب الحصر، عن طريق النفي والإثبات وهما أقوى صور الحصر والقصر في اللسان العربي، ومعناهما النفي البات من جهة، والحصر الكامل من الجهة الأخرى: نفي أي غاية للوجود البشري غير عبادة الله، وحصر غاية هذا الوجود كله في عبادة الله.

ولهذا كانت دعوة الأنبياء جميعاً أول ما تشتمل عليه بعد التوحيد الأمر بالعبادة، يقول عز وجل: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25]، وبعد ذلك تأتي آيات أخرى تتحدث عن مهمات للإنسان في هذا الوجود، فندرك أن هذه المهمات هي أنواع من العبادة التي خلق الإنسان من أجلها. فمثلاً:

أ‌- عندما نقرأ قوله تعالى: ﴿ قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: 129]، ندرك أن عمارة الأرض وإدارتها على وفق أوامر الله لون من ألوان العبادة.

ب‌- وعندما نقرأ قوله تعالى: ﴿ يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى ﴾ [ص: 26]، وكذلك الآيات التي أمرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحكم بما أنزل الله: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ [المائدة: 49]، ندرك أن الحكم والقضاء بين العباد لون من ألوان العبادة.

ج‌- وعندما نقرأ قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ [الملك: 15]، نعلم أن السير في جنبات الأرض التي ذللها الله لعباده للكسب والارتزاق من جملة المهمات التي أمر الله عباده بها فهي داخلة في الغاية العظمى من خلقه وهي العبادة، وكذلك قوله تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [العنكبوت: 20].

نأخذ من الآية الكريمة أن السير في الأرض لمعرفة بدء الخلق والتكوين على هذه الأرض وفي الكون كله، لقياس النشأة الأخرى عليه أيضاً من جملة العبادة التي يتقرب بها الباحث في الطبيعة وفي الفلك، وكما قيل: (تفكر ساعة خير من قيام ليلة)[1].

فكل هذه القضايا المأمور بها في هذه الآيات وأمثالها العمل بمقتضاها عبادة تماماً كما في قوله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [النور: 56].

وصف الله سبحانه وتعالى لأنبيائه ورسله بالعبودية في كثير من المواطن:

فعن داود عليه السلام قال تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ [ص: 30]، وعن عيسى عليه السلام قال تعالى: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائيلَ ﴾ [الزخرف: 59]، وعن نوح عليه السلام قال تعالى: ﴿ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً ﴾ [الإسراء: 3]، وعن أيوب عليه السلام قال عز من قائل: ﴿ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ ﴾ [ص: 41].

وصف الله سبحانه وتعالى لخاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم في مواطن التشريف والتكريم بصفة العبودية:

ففي موقف النصرة والتأييد بالمعجزة الخالدة ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ ﴾ [البقرة: 23]، وفي موقف الانتصار في الحرب على الأعداء ﴿ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ﴾ [الأنفال: 41]، وفي موقف التكريم بإطلاعه على مكانته بين الأنبياء والمرسلين ليلة الإسراء ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الإسراء: 1]، وفي موقف القرب والخصوصية قال عنه ربه: ﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾ [النجم: 8-10].


[1] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، رقم 118، موقوفاً على أبي الدرداء، وفي مصنف ابن أبي شيبة، رقم 35223، عن الحسن.

قد يعجبك ايضا