موقع أ.د مصطفى مسلم
الموقع الرسمي لفضيلة الأستاذ الدكتور مصطفى مسلم

المعجزة الخالدة في شهر الفرقان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد:

فقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغَشِيَتْهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده))؛ رواه مسلم.

 

فإن اهتمام المسلم بالقرآن دائم، إلا أن هذا الاهتمام يزداد في شهر رمضان، فما الحكمة؟!

• هل لأن الله عز وجل أنزل القرآن العظيم إلى بيت العزة في السماء الدنيا في ليلة القدر، وهي في شهر رمضان، قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ… ﴾ [القدر: 1]؟

• أو لأن بداية نزول القرآن الكريم على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في شهر رمضان؟

• أم لأن الله جل جلاله قرَن اسم شهر رمضان بالقرآن الكريم، فقال عز من قائل: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: 185]؟

• أم لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يلتقي بجبريل كلَّ ليلة في رمضان؛ يتدارسان القرآن ويعرضانه؟

• أم لأن الله فرض صيام رمضان، وسنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قيامَه، ولا يكون القيام إلا بتلاوة القرآن؟

• أو لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ربط بين الصيام والقرآن في الشفاعة لصاحبهما، كما روى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: ((أي ربِّ، منعتُه الطعام والشهوات بالنهار فشفِّعني فيه، ويقول القرآن: منعتُه النوم بالليل فشفِّعني فيه، قال: فيشفعان))؛ رواه أحمد، والحاكم، والطبري؟

• أو لأن السلف الصالح كانوا يهتمون بالقرآن في هذا الشهر الكريم أكثر من غيره من الأوقات، فكانوا يوقفون حلقاتهم العلمية، وينصرفون إلى الذكر وتلاوة القرآن؟

 

هذا وغيره قد يكون سبب الاهتمام بالقرآن في هذا الشهر العظيم، فالحقيقة التي لا ينكرها أحد أن العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه يضج ويدوي بتلاوة القرآن في شهر رمضان.

 

إلا أن التساؤل الذي ينبغي أن يثار: ما هي صور الاهتمام، وكيف نحوله إلى عمل صالح مجد؟

 

صور الاهتمام:

• يرى كثير من عامة المسلمين وخاصتهم أن الاهتمام ينبغي أن ينصبَّ على تلاوةِ القرآن آناءَ الليل وأطراف النهار، ويتبلور ذلك في كثرة الختمات التي يختمها المرء خلال هذا الشهر.

• ويرى آخرون أن الاهتمام ينبغي أن ينصبَّ على القيام به في ليالي رمضان، فيختم في صلاة التراويح والقيام مرةً أو أكثر.

• وآخرون يستدعون القرَّاء من أنحاء العالم الإسلامي لإقامة حلقات التجويد، وحفظ القرآن في المساجد.

• إن هذا الاهتمام وهذه الصور كلها مقبولة، ويؤجر المرءُ عليها إن شاء الله.

• إلا أننا نضيف أمرًا آخرَ على ما سبق، وهو:

أن رمضان مدرسة تربوية في كل مناحي الحياة، وينبغي أن يُنتَهز لذلك، وتُستغَلَّ أوقاته وتُوظَّف في جميع المجالات:

أولاً: إن رمضان يتيح لنا الفرصة للنظر والتقويم في أوضاعنا عامة؛ فهو يُمثِّل عصرَ السَّنة، ولكل مدة زمنية (عصرها) الخاص بها، وقد أقسم الله بالعصر وهو الزمن أو الربع الأخير من الفترة الزمنية المحددة.

 

فعصر اليوم معروف، وهو الربع الأخير من النهار.

وعصر الشهر: الأسبوع الأخير منه.

وعصر السَّنة: الربع الأخير منها.

وعصر العمر: العقد الخامس منه.

 

إن أهمية وقت العصر تأتي من الوقفة التي يقفها المرء لتقويم ما سبق من الوقت، وماذا عمل فيه؟ فإذا كان صوابًا استمرَّ في وقته، وإن كان خطأ أو فيه تقصير، حاول تصحيحَ الخطأ، أو تلافيَ التقصيرِ في الباقي من الوقت.

• فعلى المؤمن والمؤمنة أن يقوِّم وضعه المالي بتخريج زكاة ماله.

• وعليه أن يقوِّم موقفه من عباداته: إقامة الصلوات، وحضوره الجماعة، وأداء فريضة الحج.

• صِلتُه رَحِمَه، والإحسان إليهم من الوالدين والإخوة.

• صلته بالجيران والأصحاب والأصدقاء.

• صلته بالعلم والمدارسة فيه، ومخالطة مجالس العلم والذِّكر.

 

إلا أننا نريد أن نقف وقفة متأنية مع صلتنا بالقرآن الكريم في هذا الشهر الكريم، ونضع نقاطًا للتقويم:

النقطة الأولى:

نظرتنا إلى القرآن، واهتمامنا به على الوجه المطلوب منا:

• فإن كان المرسل زميلاً، لنا كان اهتمامنا بخطابه حسب قربه ومحبته.

• وإن كان الخطاب من مسؤول عنا في عملنا، كان اهتمامنا حسب الخوف والرجاء من محاسبته لنا.

• وإن كان الخطاب من رئيس الدولة، كان الاهتمام أشدَّ.

• وإن كان الخطاب من رئيس دولة عظمى، كان الاهتمام في الذروة…

 

ولله المثل الأعلى، فكيف إذا كان الخطاب الموجه إلينا من خالق السموات والأرض، الذي بيده الخفض والرفع، والعطاء والمنع، والحياة والموت، والذي بيده ملكوت كلِّ شيء، يقول للشيء: كن، فيكون.

 

وجَّه الله إلينا هذا الخطاب عن طريق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وبلَّغه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، وبيَّن أن فلاحنا وسعادتنا وعزتنا وسيادتنا في هذه الحياة مرهونةٌ بالالتزام بشرائع هذا الكتاب، وأننا سنحاسب على أيِّ تقصير في تطبيقه.

 

إن نظرتنا هذه ينبغي أن تكون فاعلة في نفوسنا، حاضرة في ذاكرتنا، مؤثِّرة في سلوكنا.

 

النقطة الثانية:

ينبغي تحويلُ هذا الاهتمام بهذا الخطاب الجليل إلى برنامج عملي للتطبيق من خلال الأمور التالية:

أولاً: صلتنا بتلاوة القرآن وضبطها ولو نظرًا:

قد يقول قائل: إني أختم القرآن في الشهر مرة أو مرتين، فكيف لا أجيد تلاوة القرآن؟!

 

إن من تعلَّم القراءة، ثم بدأ بقراءة القرآن لنفسه من غير تلقِّيه من أحد المتقنين لتلاوته، سيبقى طِيلةَ عمره يقرأ القرآن، ويختم عشرات المرات، وعنده أخطاء في التلاوة لا يدري بها.

 

وقديمًا قال العلماء: لا تأخذ القرآن من مُصْحفيٍّ، ولا العلمَ من صُحُفيٍّ.

 

إن الأصل في إتقان التلاوة ونقل القرآن متواترًا هو تلقيه من الصدور شفاهًا، كما تلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبريل، وكان هذا التلقي يتكرَّرُ في كل رمضان، حيث كان يأتي جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلَّ ليلة يدارسه القرآن ويعارضه؛ أي: يتلو جبريل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع، ثم يتلو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجبريل يسمع، وتسمَّى هذه: عرضة واحدة، فكان يعارضه القرآن في كل رمضان مرةً، وفي العام الأخير من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم عارضه القرآن مرتين، وهذه سنة التلاوة والإتقان.

 

فأيٌّ منكم قرأ القرآن على متقنٍ ليصحِّحَ له أخطاءَه ولحنَه الخفيَّ والجليَّ؟ وهذا العرض لا يُكلِّفُ كثيرًا، ولا يأخذ من الوقت إلا القليل، فلو اتفقتَ مع أحد الحفَّاظ المتقنين – والبلاد مليئة بهم وبدور تحفيظ القرآن ولله الحمد، وأئمة المساجد متقنون ولله الحمد – فلو اتفقت مع أحدهم على قراءة جزء عليه في اليوم – وقراءة الجزء تلاوة مجودة لا يستغرق سوى نصف ساعة بالتجربة – فخلال شهر واحد تنتهي من عرض القرآن كاملاً، وتكفيك مرة واحدة للتعرف على أخطائك.

 

إن الأجر العظيم ينتظر الماهر بقراءة القرآن؛ عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويَتَتَعْتَعُ فيه وهو شاقٌّ عليه له أجران))؛ أخرجه مسلم.

 

ثانيًا: صلتنا بالقرآن حفظًا عن ظهر قلب:

إن مَن أنعم الله سبحانه وتعالى عليه بحفظ القرآن كاملاً، فقد حوى النبوة بين جنبَيْه إلا أنه لا يُوحى إليه: ((يُقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتقِ ورتِّلْ كما كنت ترتِّلُ في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها))؛ رواه أبو داود، والترمذي.

 

والمحقِّقون من العلماء يقولون: إن المقصود بهذه التلاوة، التلاوة عن ظهر القلب غيبًا؛ لأن تلاوة النظر يشترك فيها الجميع، أما الفضل والتفاوت، فهي للحَفَظة غيبًا.

 

أما إن لم تكن قد حفظتَ من القرآن إلا ما تصحُّ به صلاتُك، فهلاَّ أعدتَ النظر في موقفك، وبدأت برنامجًا جادًّا لحفظ مقدار من القرآن، وليكن حفظُك كلَّ يوم لآية واحدة من القرآن الكريم، حفظًا متقنًا، تُكرِّرُه كلَّ يوم أو كل يومين.

 

إنك إن كنت جادًّا في ذلك، فلن تمرَّ عليك سنة واحدة إلا وقد حفظت سورة البقرة، وسورة آل عمران اللتَيْنِ سماهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزهراوين، وشبَّههما بالغَيايَتَيْنِ والغمامتين، وقال عنهما: ((يؤتى بالقرآنِ يوم القيامة وأهلِه الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تَقْدُمُه سورة البقرة وآل عمران، تحاجَّان عن صاحبهما))؛ رواه مسلم.

 

وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كان إذا حفظ أحدٌ سورة البقرة وآل عمران جدَّ في أعيننا؛ أي: عَظُم وكان صاحب مكانة وحظوة.

 

إن الأمر في غاية اليسر والسهولة، وإنما يحتاج إلى عزيمة جادة وجدول زمني يُسارُ عليه، وإذا وضعنا نصب أعيننا الثواب والأجر العظيم الذي نحصل عليه، سهُل الأمر علينا كثيرًا ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ [فاطر: 29، 30].

 

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه))؛ أخرجه مسلم.

 

ثالثًا: تدبر آيات القرآن الكريم ومعرفة معانيه:

إن تدبر آي الذكر الحكيم والإحاطة بمقاصده ومراميه هو المقصود من التلاوة، وقد جاء الحثُّ على تدبر القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24]، لقد أودَع الله جل جلاله أسراره العظيمة في كتابه، وجعله معجزة رسوله الخالدة إلى يوم القيامة، ووعد بأن يقيم به الحجة على أهل كل جيل، وعلى أهل كل عصر بأنه الحق المنزل على قلب رسوله، وأنه من عند الله، وبتلك الحجة يتحقق صدق محمد صلى الله عليه وسلم مجددًا، يقول عز وجل: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [فصلت: 53].

 

ولقد أوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقرأ آيات القرآن وهو غافل عنها لا يتدبرها؛ فقد قرأ في ليلةٍ قولَه تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ… ﴾ [آل عمران: 190، 191] فقال: ((ويلٌ لمن قرأها ولم يتدبرها)).

 

إن إدراك معاني القرآن الكريم وسيلة إلى تهذيب النفس والروح.

 

إن معرفة تفسير القرآن الكريم سبيل إلى إدراك أسرار القران ومعرفة وجوه إعجازه، ولا يتم ذلك الإدراك وتلك المعرفة والفهم إلا بالاطلاع على أقوال المفسرين.

 

لذا أيها الأخ الكريم، عليك أن تقرأ كتابَ تفسير للقرآن من أوله إلى آخره، ولو كان تفسيرًا مختصرًا سهلَ العبارة؛ كتفسير ابن كثير أو أحد مختصراته في اليوم نصفَ ساعة لتفسير صفحات معدودة منه، ستجد أنك قد قرأت الشيء الكثير منه خلال عام إن لم تكن أنهيتَ قراءته كلَّه.

 

رابعًا: موقفنا من العمل بالقرآن:

إن الغاية من التلاوة والتدبر والفهم هو العمل بأوامره، واجتناب نواهيه، إنَّ عالمًا لا يعمل بعلمه مُعذَّبٌ قبل عُبَّادِ الوَثَن.

 

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزول قدما امرئ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيمَ أفناه؟ وعن شبابه فيمَ أمضاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه، وفيمَ أنفقه؟ وعن علمه فيمَ عَمِل به؟)).

 

إن العلم يهتف بالعمل؛ فإن أجابه استقرَّ، وإلا ارتحل.

 

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رُبِّ تالٍ للقرآن والقرآنُ يلعنه))؛ وذلك لأنه ترك العمل بما يأمره به القرآن، أو يزجره عنه، فالذي يقرأ قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 278، 279]، وهو يتعاطى الربا، منغمس في المعاملات الربوية إلى أذنيه، ألا يستحق اللعنة من القرآن؟

 

والذي يقرأ قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 32]، ثم يقع في هذه الفاحشة القبيحة، ألا يَحِقُّ عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؟

 

خامسًا: نشر القرآن:

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خيركم مَن تعلَّم القرآن وعلمه)).

إن نشر القرآن وتعليمه يكون حسب المستوى العلمي والثقافي لكل شخص:

• فالحافظ المتقن عليه أن يقوم بتعليم القرآن لطلاب العلم الراغبين في إتقانه وتجويده وحفظه.

• والذي يجيد تلاوة القرآن نظرًا عليه أن يقوم بتصحيح القراءة (تلاوة) للراغبين في إتقانه وتجويده من العامة والخاصة.

• والذي لا يحفظ إلا القليل عليه أن ينشره على قدر استطاعته.

 

وليبدأ الجميع بأقرب الناس إليهم بأسرته وأهله؛ فهو المسؤول مسؤولية مباشرة عنهم، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [التحريم: 6].

 

• أيها السادة، هل فكرتم أن تصححوا لأهل بيتكم السور التي لا تصح الصلاة إلا بها؟ ومن أهمها سورة الفاتحة، التي يقول عنها صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب))، ونص الفقهاء على أن من أخطأ في الفاتحة في كلمة واحدة بطَلَت صلاتُه.

 

بل نصَّ بعضهم على أن في الفاتحة إحدى عشرة شدة، فإن نقص واحدة منها بطَلَت صلاته.

 

هل استمع الزوج لزوجته كيف تقرأ فاتحة الكتاب؟ هل استمع الأب إلى أولاده كيف يقرؤون فاتحة الكتاب؟ وهل استمع الأبناء إلى آبائهم وأمهاتهم كيف يصلون وماذا يقرؤون؟

 

أيها السادة، إن الأمر جِدٌّ، وكلنا محاسبون على ذلك، ولن تُجدِيَ الأعذار والمشاغل؛ فأمر الصلاة وأمر الدِّين أهمُّ من مشاغل الحياة كلها ومكاسبها.

 

وأختم كلامي – أيها السادة – بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه عقبة بن عامر رضي الله عنه: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصُّفَّة، فقال: ((أيُّكم يحبُّ أن يغدوَ كلَّ يوم إلى بطحان – موضع في المدينة – أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين – الناقة عظيمة السنام – في غير إثم ولا قطع رحم؟))، فقلنا: يا رسول الله، كلنا نحبُّ ذلك، قال: ((أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد، فيَعلَم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خيرٌ له من ناقتين، وثلاثٌ خيرٌ له من ثلاث، وأربعٌ خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل))؛ رواه مسلم.

 

اللهم اجعل القرآن شفاء صدورنا، وجلاء همومنا.

اللهم ذكِّرنا منه ما نسينا، وعلِّمنا منه ما جهلنا.

اللهم ارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار.

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا.

اللهم اجعل القرآن شفيعًا لنا يوم القيامة.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

قد يعجبك ايضا