موقع أ.د مصطفى مسلم
الموقع الرسمي لفضيلة الأستاذ الدكتور مصطفى مسلم

الرد على شبهة: لا تعارض بين العلمانية والإسلام

شارك في التأليف الأستاذ الدكتور فتحي محمد الزغبي

قالوا: لا تعارض بين العلمانية والإسلام، فالعلمانية وخاصة العلمانية الغربية الديمقراطية لا تنكر وجود الله ولا تمنع الناس من أداء شعائرهم التعبدية من صلاة وزكاة وصوم وحج…

 

الرد: نقول إن فهم هؤلاء العلمانيين للإسلام فهم قاصر وخاطئ، فالإسلام ليس إيماناً بوجود الله تعالى وعبادات فقط، بل هو شامل لكل مجالات الحياة بحيث تمارس أوجه النشاطات الإنسانية كلها على وفق شرع الله، فهو منهج حياة كامل فكما جاء الأمر بالصلاة والزكاة والصوم والحج جاء الأمر بالتحاكم إلى أمر الله، والرضوخ لقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

وكما جاء النهي عن الشرك وعقوق الوالدين والكذب والسحر… جاء النهي عن الربا والزنا والخمر والرشوة وأكل المال بالباطل.

 

إن العلمانيين يريدون حصر الإسلام في الشعائر التعبدية، والإسلام منهج للحياة متكامل في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات والاقتصاد والسياسة والحكم وفي الآداب والفنون وسائر مجالات الحياة.

 

والإسلام لا يقبل نظاماً آخر شريكاً له في تنظيم حياة المسلمين، بل يريد أن يستمد المجتمع شرائعه وقوانينه وأنظمته من الوحي الإلهي المتمثل في القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليكون مجتمعًا ربانيًّا لا مجتمعًا جاهليًّا.

الرد على شبهة

إن الشريعة ثابتة ونصوص القرآن والسنة محدودة

والحياة متطورة وأحداثها لا تنتهي

 

قالوا: الشريعة ثابتة ونصوص القرآن والسنة محدودة، والحياة متطورة وأحداثها لا تنتهي، فكيف نجد حلول مشكلات الحياة في نصوص الشريعة؟! وبالتالي لا بد من إيجاد مصدر آخر للتشريع يعتمد على تجارب الأمم، مع الاحتفاظ للدين بدائرة التوجيه الروحي للأفراد.

 

• الرد:

لا يقول هذه المقولة إلا جاهل بالإسلام وشرائعه وحقائقه، فإن الإسلام اشتمل على الثوابت التي لا تتغير بتغير الأزمان والأماكن والأجيال، وهناك المتغيرات التي تتغير حسب مقتضيات الأزمنة والأمكنة وتقدر فيه الفتوى زماناً ومكاناً وأشخاصاً، ولكن هذه المتغيرات تحتاج إلى المجتهدين الذين يقدرون هذه المتغيرات.

 

إن الله سبحانه وتعالى الذي خلق الإنسان هو العليم بما يصلحه ﴿ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14]، لقد عالجت شريعة الله المشكلات الإنسانية بموضوعية ووضعت لها قواعد وضوابط عامة، وفي كثير منها ترك وسائل تطبيقها لعرف الناس وحسب تطور وسائلهم، فمثلاً من الأصول الثابتة:

أ‌- أن يكون الحكم بما أنزل الله، وأن يكون شورياً قائماً على جلب المصالح ودرء المفاسد، ولكن الوصول إلى تطبيق الشورى من المتغيرات التي تراعى فيها طريقة اختيار أعضاء مجلس الشورى والأمر فيه متسع سواء كان عن طريق الانتخاب المباشر أم عن طريق النقابات والحرف، أم عن طريق التجمعات والأحزاب أم عن طريق أهل الاختصاص.

 

ب‌- وإقامة العدل بين الناس من الثوابت التي نزل بها القرآن الكريم وأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما تنظيم القضاء فهو من المتغيرات، هل يكون درجة واحدة أو يكون على مراتب بأن تكون المحاكم بدائية استئنافية ومحاكم تمييز..؟ فالأمر يعود إلى اختيار ممثلي الأمة في تحديد الطريقة التي تتحقق بها العدالة.

 

ج‌- والاقتصاد في الإسلام يقوم على أصول منها: أن المال كله لله، والبشر مستخلفون فيه، ووجوب تأمين الضروريات – من المطعم والملبس المسكن والتعليم والعلاج – لكل فرد في الدولة الإسلامية، والنهي عن أن يكون المال دولة بين الأغنياء والحث على الإنفاق في مصالح الأمة.

 

هذه كلها من الثوابت، أما وضع الخطط الاقتصادية طويلة المدى أو قصيرة المدى، وإقامة المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية التي تحقق ذلك فهذا كله من المتغيرات التي تخضع لتطور الزمن واجتهادات أهل الاختصاص وأهل الخبرة من أبناء الأمة. وقل مثل ذلك في المجالات الأخرى: الاجتماعية والثقافية والإعلامية. وغيرها.

 

إن نصوص الشريعة من الكتاب والسنة محدودة ولكنها اشتملت على القواعد الثابتة، وتركت لاجتهاد المجتهدين ما يستطيعون به إيجاد حلول لكل مشكلات الحياة المتطورة؛ لهذا وصف الله سبحانه وتعالى دينه بالكمال والتمام فقال عز من قائل: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ﴾ [المائدة: 3].

 

أما النشاط البشري الذي لا يتعلق بالحلال والحرام، كالسعي لاكتشاف أسرار الكون، والضرب في الأرض لمعرفة أسرار الطبيعة، والتعرف على سنن الله فيها لتسخيرها لمصلحة الإنسان، فلم يضع الإسلام قيوداً عليها، وهي ملك للبشرية كلها وهي من الحكمة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق بها»[1].


[1] رواه الترمذي، رقم (2687)، وقال حديث غريب، 5 /51، ورواه ابن ماجه رقم (4169)، باب الحكمة 2 /1395.

 

قد يعجبك ايضا